الانتحار ودوافعه

5
كل أربعين ثانية يموت شخص جراء إقدامه على الانتحار, أي أنك عندما تنتهي من قراءة هذا المقال سيكون العالم قد سجل خمس حالات وفاة على الأقل.
إلا أن محاولات الانتحار الفاشلة تفوق عدد حالات الانتحار الفعلية أضعافا مضاعفة, والتي بدورها تقل عن أعداد حاملي الأفكار الانتحارية دون أي محاولات فعلية لإنهاء الحياة.
دوافع الانتحار:
الأمراض النفسية: تعددت أسباب الانتحار إلا أن الأمراض والاضطرابات النفسية تبقى الدافع الأكبر لجل حالات الانتحار بمعدل 90 بالمائة من مجموع كل الحالات, ويعتبر الاكتئاب المرض الأبرز لانتشاره الكبير مقارنة مع بقية الاضطرابات وللحالة المزاجية التي يدخل المريض فيها, إذ قد يشتد الألم على المريض واليأس ليبلغ مبالغ قصوى لا يستطيع المريض تحملها فلا يجد من حل إلا إنهاء حياته, حتى لإنه ينتحر دون وعي منه كإلقاء نفسه من النافذة مباشرة دون تفكير مطول.
الأعراض الذهانية لبعض الأمراض النفسية كالفصام قد تقود الشخص للانتحار أيضا, إذ يعيش الذهاني تجارب نفسية مرعبة في أغلبها فتدعوه بعض الأصوات والهلوسات لأذية نفسه أو الانتحار.
أيضا الصدمات التي يتعرض لها الفرد في حياته والتي لا يستطيع تجاوزها مسببة له أعراض اضطرابات القلق تكون دافعا لعدد كبير من الأفراد للاقدام على الانتحار كفقدان شخص عزيز أو التعرض للاغتصاب أو الخروج من حروب مهولة...

المخدرات والكحوليات: التعاطي المفرط للكحوليات والمخدرات يسبب أعراضا انسحابية بسبب تأثير هذه المواد على كمياء الدماغ, مما يجعل عددا كبيرا من المدمنين يقدمون على الانتحار.

اليأس: لا يكون الاكتئاب دائما سببا للانتحار قد يقدم على ذلك من يعاني من يأس مزمن وفقدان للأمل كالعطالة المزمنة أو عدم القدرة على تحقيق هدف ما, أو التخلص من مأزق أو الاضطرار للعيش في ظروف قاسية أو عدم الزواج من شخص يحبه بشدة وغيرها من الأسباب...

الشعور بالذنب: قد يعمد الفرد على الانتحار إن شعر بتأنيب شديد لضميره من خطئ ارتكبه بقصد أو دونه, كالتسبب في مقتل شخص ما أو تدمير حياته أو غيرها من الأسباب...

الاحتجاج: يعمد البعض للانتحار احتجاجا على أوضاع تم إجبارهم على عيشها أو إحساسهم بالظلم الشديد, ويكون انتحارهم في العادة اندفاعيا وعلنيا بغرض الاحتجاج كالقفز من الأسطح أو حرق الذات أو غيرها من الوسائل التي تجلب الانتباه لهم, ولايكون هدفهم في العادة بغرض الإنهاء الحقيقي لحياتهم حتى وإن أدى لذلك.

لفت الانتباه: في كثير من الأحيان تكون محاولة الانتحار مجرد محاولة للفت الانتباه ونداء استغاثة بأن أمرا ما خطأ يجب إصلاحه, فقد يعمد الشخص لوسائل انتحار غير قاتلة كجرح معصمه أو تناول كميات من الأدوية الغير قاتلة أو شرب مواد سامة أو التهديد بالقفز من السطح وغيرها من الوسائل بغرض لفت الانتباه من أنه يعاني ويحتاج لمساعدة أو لتتوقف الأذية التي يعاني منها من المحيطين به, إلا أنه وللأسف قد تقود هذه المحاولات للموت الفعلي.
الخطوات الثلاث للانتحار:
في محاولة لفهم الدوافع التي تقود للانتحار اقترح بعض علماء النفس نظرية الخطوات الثلاث للانتحار, فكما أشرنا في بداية المقال فإن الأفكار الانتحارية تتطور لأفعال ثم لموت محقق, إلا أن هذه الأفكار قد تبقى حبيسة للذهن لاغير.
الخطوة الأولى تطور الأفكار الانتحارية: يطور الفرد أفكارا انتحاريا عندما يعاني من ألم نفسي أو عاطفي شديد مرافق بيأس شديد, إذ يشترط حضور الشعور باليأس لتطوير هذه الأفكار, فلا أحد قد يفكر في الانتحار إن كان لديه أمل بتحسن الأوضاع حتى وإن كان يعاني.
لم تقم النظرية بتحديد نوع الألم بدقة إذ تعتبر حتى المؤثرات اليومية كالأصوات المرتفعة والضجيج المستمر والضغوطات المجتمعية محفزا على تقليص الرغبة في البقاء على قيد الحياة, لذا فكل ألم مهما كان هو محفز لتقليص الرغبة في الاستمرار.
رغبتنا بالتمسك بالحياة ليست ذاتها طول الوقت, قد تقل وتنمو حسب الظروف وهي متغيرة بشكل مستمر, إلا أنها تبقى في حدود المعقول بالنسبة لجل البشر.

 الخطوة الثانية تجاوز الألم قدرات التحمل: عندما يتجاوز الألم قدرات الفرد على التحمل ويفصل بينه وبين رغبته في العيش الطبيعي حينها تتقوى الأفكار الانتحارية وتصير أكثر جدية, فالشخص الذي يشعر بالألم واليأس قد يستمر في علاقاته الشخصية مع الآخرين وفي القيام بأعماله اليومية وقد يسعى للتخطيط لمشاريع مستقبلية أيضا كالزواج أو العمل أو غيرها حتى وهو بتلك الحال, لكن قد يحدث ويفقد الفرد الاتصال العاطفي بالآخرين وبأعماله ومشاريعه ويصير كآلة, يقوم بأعمال روتينية وهو كالمخدر دون أي إحساس بجدوى ما يفعل وحينها يصير فعلا الاستمرار بالحياة بالنسبة له غير ذي معنى.

الخطوة الثالثة القدرة على محاولة الانتحار: وهي آخر مرحلة والتي من خلالها يتحدد ما إذا كان الفرد سيرتكب تصرفا غرضه إنهاء حياته, فذاك الشخص الذي يعاني من الألم المرافق باليأس والذي فقد الاتصال العاطفي بما يفعل لا يفصل بينه وبين الانتحار إلا القدرة الفعلية على ذلك, قد تمنعه عدة أسباب سواء الإيمان أو الخوف أو أي أسباب أخرى... فتبقى الأفكار حاضرة في ذهنه ورغبته في الموت قوية دون التجرؤ على ارتكاب الفعل.
وقد لا يحول أي مانع من ارتكاب محاولة الانتحار والتي بدورها إما تكون فاشلة أو ناجحة.

المفارقة الجنسية للسلوك الانتحاري:
أعداد النساء اللائي يعانين من الاضطرابات النفسية والعاطفية تفوق أعداد الرجال بنسب جد معتبرة, خصوصا اضطراب الاكتئاب والمتهم الرئيسي هي الهرمونات الأنثوية.
إلا أنه وللمفارقة تسجل حالات الانتحار بصفوف الرجال أضعاف ما تسجل في صفوف النساء, رغم أن الأفكار الانتحارية وكذا محاولات الانتحار الفاشلة لدى النساء أكبر.
وترجع الأسباب كون النساء يلجأن أكثر للأساليب التي لا تنهي الحياة دائما مما يجعل إسعافها وإنقاذها من الموت المحقق ينجح في الغالب كتناول بعض أنواع السموم, في حين يلجأ الرجال لأساليب أكثر عنفا تنهي الحياة على الفور كالطلقات النارية والشنق.

أيضا تشير بعض التفاسير أن عددا كبيرا من النساء لا يكون الغرض من محاولات انتحارهن الموت فعلا بل ما أشرنا إليه فوق من لفت للانتباه, ويكون هذا الأسلوب منتشرا أكثر بين صفوف الفتيات المراهقات والشابات أكثر, فلا يحبذن الشنق أو الطلقات النارية حتى لو توفر لهن السلاح بسبب الخوف من "الموت".

تفسير آخر يلمس الاختلاف في السلوك بين الجنسين حيث أن النساء أكثر انفتاحا فيما يخص مشاكلهن فيلجأن للشكوى أكثر من الرجال والحديث مع الصديقات والمقربين حول مشاكلهن وكذا يلجأن للعيادات النفسية ويلتزمن بالأدوية أكثر من الرجال, مما يخفض نسب الانتحار في أوساطهن, ومما يجعل الرجل يبدو كتوما أكثرا بسبب الثقافة المجتمعية التي تتقبل الشكوى من المرأة لأنها "امرأة" ولا تتقبلها من الرجل لأنه "رجل".

وبالجدول بعض الاحصائيات التي تخص بعض الدول العربية والاسلامية تمثل نسب المنتحرين لعام 2015 لكل مائة ألف نسمة حسب منظمة الصحة العالمية:
المجموع
الذكور
الإناث
الدول
3.1
5.0
1.2
الجزائر
6.5
9.1
2.4
البحرين
8.6
11.8
5.4
جيبوتي
2.6
3.7
1.4
مصر
6.7
10.4
3.0
اريتيريا
2.9
4.2
1.5
اندونيسيا
3.6
4.3
2.8
إيران
3.0
3.4
2.7
العراق
5.5
8.6
2.4
الأراضي المحتلة
3.2
4.4
2.0
الأردن
27.5
46.8
9.6
كازاخستان
4.0
5.4
2.1
الكويت
3.1
4.1
2.1
لبنان
5.5
8.4
2.6
ليبيا
5.8
8.6
2.9
ماليزيا
5.9
8.3
3.5
موريتانيا
4.8
6.3
3.3
المغرب
5.6
7.8
1.2
عمان
2.1
2.2
2.0
باكستان
6.4
8.5
0.9
قطر
3.4
4.5
1.9
السعودية
6.1
9.3
3.0
السنيغال
5.4
7.7
3.0
الصومال
10.2
14.7
5.7
السودان
2.7
4.3
1.0
سوريا
5.5
6.5
4.4
تونس
8.7
12.9
4.7
تركيا
10.0
15.2
5.1
تركمانستان
2.9
3.6
0.8
الامارات
8.2
10.6
5.8
اليمن


التعليقات

  1. هل فكرت أن النساء هن سبب إنتحار الرجال؟ لو كنت تعتقد أن الجواب لا فراجع أصل عبارة "السيدات أولا".
    نتلقى شتائم النسويات في سرادق الفرح بجانب المقبرة..

    شكرا على الطرح المميز سيد جواد

    ردحذف
    الردود
    1. عزيزي معاذ أنت تعلم أن أغلب قراء مدونتي من النساء وبالتالي فإن سبب انتحار النساء هو الرجال وليس العكس, ويمكنني تغيير رأيي عندما يصير قراء مدونتي من الرجال أكبر, حينها ستصير مقولتك هي الصواب.

      حذف
  2. ليش مافي عن الmbti ؟

    ردحذف
  3. تذكرت رواية اسمها 13 Reasons why بالتأكيد سنعرفها ككتاب او كمسلسل من Netflix الغريب ان بطل المسلسل أنثى بالرواية ينقذونها وبالمسلسل لا ينقذونها :(

    ردحذف
  4. موضوع جميل ومفيد 🍺
    "النساء كثيرات الشكوى ويحببن لفت الإنتباه" يبدو ان هذا في صالحهن ⁦⁦⁦=_=⁩

    ردحذف